قيد التجريب: شبكة انترنت جديدة
يعوّل العلماء حالياً على فيزياء الكم لتحقيق اختراقات كبرى في شبكة الانترنت, ليس فقط في مجال التشفير وزيادة السرية كما اعتقدوا في البداية, بل في مجالات أخرى كثيرة.
فهاهي العاصمة النمساوية فيينا تستقبل طريقة جديدة لتصفح الانترنت, حيث شغّل العلماء ابتداء من 8 تشرين الثاني 2008 نسخة تجريبية من انترنت الكم, وهي شبكة تسمح للمستخدمين بتبادل الرسائل كرموز مشفرة غير قابلة للاختراق الفعلي, حيث ينتظر منها أن توضح كيف يمكن لقوانين فيزياء الكم أن تؤمن سرية كاملة للمعلومات (مثل البريد الالكتروني أو رصيد الحساب الجاري) وتبقيها آمنة تماماً من عيون المتلصصين والمتطفلين.
ويقر الجميع بأن شبكة فيينا هي مجرد نموذج أولي لأغراض بحثية, وليست نسخة حقيقية من الانترنت, فهي ليست سوى العمود الفقري لشبكة محدودة سوف تعمل غالباً بسرعة مودم الثمانينيات, وعلى المستخدم الراغب بالدخول إليها أن يشتري عدة باهظة الثمن, وأن يربط ليفاً ضوئياً إلى واحدة من العقد الخمسة للعمود الفقري. وعلى الرغم من أنها تستطيع نقل البيانات العادية بأمن كمي, إلا أنها لا تستطيع حتى الآن نقل معلومات الكم التي تشفر حالات الأشياء التي تخضع لقواعد الكم, ولكن العلماء متفائلون بقرب حدوث ذلك, رغم أن الفكرة برمتها استهجنت في البداية, لأن معلومات الكم مشهورة بتذبذبها: شيء يميل للحياة في حالات متعددة متراكبة (مثل الكترون يستطيع الدوران في اتجاهين بنفس الوقت, أو ذرة تستطيع أن تكون بشكل متزامن في مكانين) إلى أن يجبره التفاعل مع بقية الكون على اختيار حالة واحدة فقط.
إذن حقيقة الكم هو الحالة المتوسطة للاحتمالات المتعايشة. وبما أن أي قياس لنظام الكم سيغير حالة النظام بشكل يتعذر إلغاؤه, فإن معلومات الكم ستكون مختلفة في كل مرة تقرأ فيها, وهذا يجعل من المستحيل نسخ أو نشر أو تخزين تلك المعلومات. كما يمكن للفيزياء غير التقليدية أن تضفي على الشبكات قوى فريدة, ففي الكمبيوتر العادي كل بت bit (وحدة حاسوبية) من بياناته يأخذ القيمة واحد أو صفر, أما وحدة معلومات الكم (وحدة حاسوبية كمية) التي تسمى كيوبت qubit (اختصارQuantum bit) فتستطيع أن تأخذ كلتا القيمتين بنفس الوقت.
إذن تستطيع انترنت الكم أن تنقل بيانات وبرامج الكترونية بين كمبيوترات الكم المستقبلية التي ستتمكن من التفوق على أداء الكمبيوترات العادية, وذلك بتشغيل عمليات متعددة بنفس الوقت (تراكبsuperposition). وربما توفر الشبكة أشكالاً جديدة للتفاعل الاجتماعي, في مجال الانتخابات مثلاً, وكل ذلك بسرية مطلقة. وقد تتوصل شبكة الكم إلى أن تنقل بواسطة الأشعة أشياء مادية, حيث تنقل كل المعلومات الضرورية لإعادة تخليق الشيء, كشكله وطاقته, إلى مكان آخر. وهذا ما يتحدث عنه بتفاؤل كبير ميكائيل لوكين Mikhail Lukin الباحث في جامعة هارفارد, الذي يعتقد "أن السنوات القليلة القادمة ستشهد بناء شبكة انترنت كمية حقيقية, مختبرية على الأقل".
مفتاح الكم المتين
في أنفاق ممتدة تحت مدينة فيينا ونهر الدانوب, تطلق نبضات ضوئية على طول عشرات الكيلومترات من الألياف الضوئية العائدة إلى تكتل شركات سيمنس الهندسية الألمانية, وتتعاون أكثر من 40 جامعة وشركة ومعهد أبحاث لتؤلف تقنية مشتركة لربط خمسة أبنية لسيمنس: أربعة منها مبعثرة عبر المدينة, والخامس على بعد 85 كم في بلدة سان بيتن. وستتم الاتصالات بين بناء وبناء بغية تمرير المعلومات باستخدام أنظمة التشفير الكمي, التي استوحي معظمها من نسخة التشفير الكمي التي اقترحها عام 1991 آرتور إكيرتArtur Ekert الذي يعمل حالياً في الجامعة الوطنية في سنغافورة. ويقتضي إجراء إكيرت أن يستخدم المرسل والمتلقي, المسميان تقليدياً أليس وبوب, اتصالين أحدهما كمي والآخر تقليدي (انترنت قديم جيد أو خط هاتفي). يؤسس أليس وبوب من خلال الاتصال الكمي مفتاح تشفير مشترك, وهو سلسلة سرية من بتات (جمع بت) المعلومات التي ستستخدمها أليس لتشفير رسالتها, ويستخدمها بوب لفك شفرتها. يمكن لأليس بعد ذلك أن ترسل رسالة مشفرة إلى بوب من خلال الاتصال التقليدي, مثلاً مرفق بريد ألكتروني. ستبدو رسالة أليس, بالنسبة لشخص لا يعرف المفتاح, كسلسلة عشوائية من البتات, وحتى أكثر الكمبيوترات تطوراً لن تتمكن من فك شفرتها, ولكن بوب الذي يعرف المفتاح سوف يستطيع فك الشفرة وقراءة الرسالة.
النقطة الحاسمة في الموضوع هي المحافظة على سرية المفتاح منذ إنشائه, وهنا يستثمر إكيرت فيزياء الكم وبالتحديد الظاهرة العجيبة التي تسمى "تشابك الكم" entanglement Quantum (إذا كان لدينا شيئان فيمكن أن يكون لكل منهما حالته الخاصة, أو يمكن أن "تتشابك" حالتاهما, وهذا يعني أنهما عندما ينفصلان لن يكونا مستقلين أحدهما عن الآخر).
لنأخذ الفوتونات كمثال, فعندما نطلقها عبر ليف ضوئي ستتذبذب على الجانبين, فإذا أخذنا فوتونين معينين فمن الممكن أن يكون تذبذبهما في اتجاهين مستقلين, وهذا ما يسمى الاستقطاب الخطي, أو يحدث "تشابك" بينهما بحيث أنه إذا كان أحدهما مستقطباً عمودياً يكون الآخر مستقطباً أفقياً, والعكس بالعكس.
تعتمد طريقة إكيرت للتشفير على أداة ليزرية تطلق أزواجاً من الفوتونات المتشابكة, وترسل فوتوناً واحداً من كل زوج متشابك إلى أليس والآخر إلى بوب. وبما أن الفوتونات في كل زوج متشابك تملك استقطابات مترابطة, سيكون باستطاعة أليس وبوب تحويل المعلومات إلى مفتاح مشترك, مثلاً صفر لكل فوتون مستقطب عمودياً وواحد لكل فوتون مستقطب أفقياً.
ولكن أليس وبوب يرغبان كذلك في التأكد من أن الفوتونات التي يستخدمانها لم يعترضها أحد, وبما أن كل متجسس يعترض الفوتونات, محاولاً سرقة المفتاح, سوف يغير أو يخرب حالات الفوتونات, لأنه يستحيل قياس حالة نظام كمي دون تغييره بشكل يتعذر إلغاؤه, لذلك سيقوم أليس وبوب, عبر الاتصال الهاتفي, بإجراء مقارنة على فوتونات تجربتهما, فإذا لاحظا أية اختلافات سوف يعلمان أن أحد المتجسسين كان هناك, فيلغيان
























