الصراع على… التلاميذ
كتبهاد. عمار سليمان علي ، في 12 أيلول 2008 الساعة: 07:38 ص
الصراع على… التلاميذ!
ليس تاريخ البشرية عموماً إلا سلسلة من الصراعات المتتالية (صراع على الطرائد, صراع على الأرض, صراع على الماء, صراع على العبيد, صراع على النفط, صراع على الأسواق, صراع على السلطة, صراع على المناصب…الخ). وإذا كانت خمسينيات القرن المنصرم قد شهدت صراعاً على سوريا من الخارج مع انعكاسات داخلية, فإن سوريا في هذه الأيام تعيش صراعاً من نوع آخر, يبدو أنه آخر موضة للصراعات, وهو الصراع على التلاميذ الذي بدأ مع انطلاق العام الدراسي, وأشعل خلال الأيام القليلة الماضية فتيل حروب لاهبة داخل عدد من المدارس, وليس جميعها بطبيعة الحال.
ففي إحدى مدارس التعليم الأساسي فوجئت إحدى المعلمات النزيهات بأن الشعبة التي سلمت لها لتعليمها تضم ثلاثين تلميذاً في الصف الأول الأساسي, مع أن الشعب الخمسة الباقية لنفس الصف لا تضم الواحدة منها أكثر من عشرين تلميذاً, وعندما استقصت عن الموضوع تبين لها أن كل معلمة من زميلاتها قد اختارت لنفسها تلاميذ معينين ووضعتهم في الشعبة الخاصة بها, وهم بالتحديد التلاميذ الذين سبق لهم أن سجلوا لديها لتلقي ساعات خصوصية خلال العام الدراسي, أما تلاميذ صاحبتنا النزيهة الثلاثون فلم يسمعوا بعد لا هم ولا أهاليهم, أو لا يريدون أن يسمعوا, بشيء اسمه الساعات الخصوصية التي طالما حاربتها المعلمة النزيهة ووقفت في وجهها سابقاً, ولكنها اعترفت هذه المرة بأنها لم تر في حياتها ولم تواجه مثل ما رأته وواجهته في هذا العام!.
وفي مدرسة ثانية استمرت المفاوضات ثلاثة أيام بين المعلمين والمعلمات والجهاز الإداري قبل أن تعلن اتفاقية تقاسم التلاميذ التي قضت بالسماح لكل معلم ومعلمة بأن يختار/تختار عشرة تلاميذ على كيفه/كيفها داخل صفه, أما بقية التلاميذ فيوزعهم المدير وطاقمه بمعرفتهم لكي ينالهم من الطيب نصيب, والطيب هنا هو هدية أو رشوة تدفع لهم لكي يوضع التلميذ في الشعبة التي يريدها هو أو أهله, ويمكن أن يدفعها مباشرة للإدارة المعلم الذي سيجير التلميذ لشعبته!.
وفي مدرسة ثالثة حدثت مشادة كلامية عنيفة تطورت إلى حفلة تلاسن وسباب وشتائم من العيار الثقيل, وفي بعض الروايات صفع وشد شعر, بين معلمتين للصف الخامس الأساسي, بسبب إصرار كل منهما على أن يكون تلميذ معين في شعبتها, لأن والد ذلك التلميذ تاجر كبير, وأجرة ساعاته الخصوصية محرزة وهداياه في عيد المعلم مدهنة!.
وعلى ذكر عيد المعلم نورد من خارج السياق هذه النهفة من العام الدراسي الماضي, فقد وقف مدير منقول حديثاً إلى إحدى المدارس أمام الطلاب في بداية العام الدراسي وقال: لا تظنوا أني جئت إلى هنا برغبتي, لقد كنت مديراً للمدرسة الفلانية وكانت هداياي في عيد المعلم لا تقل عن مليون ليرة, وحتماً لن تصلوا أنتم إلى ربع هذا المبلغ!. وهذا المدير نفسه طلبت منه إحدى المعلمات النزيهات مع بداية العام الدراسي الحالي أن يضع ابن جارتها في شعبتها (حيث كانت جارتها قد طلبت منها ذلك من باب المونة ولكي تحس بالاطمئنان عليه, ولوجه اللـه ـ يرجى وضع ثلاثة خطوط تحت لوجه اللـه) ولكنه رفض رفضاً قاطعاً واتهم المعلمة بأنها طامعة في التلميذ لكي يأخذ ساعات خصوصية عندها, ولمح إلى أنه قد يقبل إذا دفعت له المعلوم, مما أصابها بالصدمة, فما كان منها إلا أن اتصلت بجارتها وطلبت منها أن تكلم المدير بنفسها لكي يصدق روايتها, وبالفعل أرسلت الجارة زوجها الذي يعمل ضابطاً فكلم المدير بكل احترام ولباقة لم يلاحظهما المدير بالتأكيد لأنه كان يرتعد خوفاً وهلعاً من الضابط, ووافق على نقل التلميذ ابن الضابط فوراً وبدون مناقشة!.
وفي مدرسة أخرى كان مدرس الفيزياء يشرح أول دروس العام الدراسي للصف العاشر / الأول الثانوي وطلب منه أحد الطلاب أن يعيد شرح فقرة لم يفهمها, فنظر إليه المدرس الغضنفر بغضب وصرخ به قائلاً: طبعاً لن تفهمها, وهل تعرف لماذا لم تفهمها؟ لأنك حمار!. وتمتم بينه وبين نفسه: أكيد حمار, فكل زملائك سجلوا عندي للساعات الخصوصية, إلا أنت يا حمار!.
وفي نفس تلك المدرسة كان مدرس الرياضيات ينفرد بأحد الطلاب المتفوقين الذي حصّل علامة شبه كاملة في الشهادة الإعدادية, ويدعوه لزيارته في البيت ليشارك زملاءه ساعاتهم الخصوصية, دون أن يضطر لدفع أي مبلغ. قال له الطالب: لكني لست محتاجاَ. فأجابه المدرس: طيب على الأقل قل لزملائك ومعارفك إنك تأخذ عندي ساعات خصوصية. وظن المدرس الفهلوي أن الطالب لم يفهم عليه, ولكن في البيت كان الطالب يخبر أهله بما جرى ويشرح لهم أن هذا ليس إلا نوعاً من الدعاية المجانية. ويبدو أن موضوع الدعاية هذا يحتاج لمقالة خاصة به, فقد صرنا نشهد في صحف إعلانية إعلانات مأجورة لمدرسين يرغّبون التلاميذ في تلقي ساعات خصوصية على يدهم, ويضعون أحياناً أسعاراً منافسة. وبعد أن كانت هكذا إعلانات تموّه سابقاً بأسماء معاهد ومراكز, أصبحت اليوم تورد أسماء أصحابها الحقيقية بلا خجل ولا حياء, ولماذا الخجل والحياء في سياق الصراع على التلاميذ؟!.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : تربية وتعليم, سوريا, مجتمع, مقالات ساخرة | السمات:مقالات ساخرة, مجتمع, تربية وتعليم, سوريا
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























