تنقيرات حول الديمقراطية والإسلام

كتبهاد. عمار سليمان علي ، في 3 كانون الثاني 2009 الساعة: 15:18 م

تنقيرات حول الديمقراطية والإسلام

ستأخذ هذه المقالة شكل تنقيرات على بعض ما ورد في مقالة الأستاذ حمزة رستناوي, المنشورة في كلنا شركاء يوم الإثنين 28 كانون الأول 2008, والتي أخذت بدورها “صفة تعليقات و ردود على وجهة نظر متفشية في الثقافة العربية الإسلامية بشقها المحافظ”, وستحاول تنقيراتنا أن تضرب العصفورين ـ المقالة الأصل والرد عليها ـ بحجر واحد:

التنقير الأول: مما لا شك فيه, سواء كان هناك اختلاف جوهري بين الإنسان المسلم وغير المسلم أم لم يكن هذا الاختلاف موجوداً, أن الديمقراطية الغربية مفهوم له دلالاته التي تتفق ومعتقداتهم في الغرب أو في الشرق غير المسلم, وهي ذات مستويات تختلف حسب البلد أيضاً. ولنلاحظ بتمعن أن المنزل والسيارة والبطاطا والحليب وكل ما ذكره الأستاذ رستناوي من أمثلة, هي أمور بحت ظاهرية, لا تمت بصلة لجوهر الإنسان ولباب عقله وطريقة تفكيره, وبالتالي فهي غير موفقة كأمثلة, لأنها لا تلغي وجود تمايزات جوهرية بين المجتمعات المختلفة, كما أراد الأستاذ رستناوي أن يبرهن من خلالها.
التنقير الثاني: بالتأكيد ليست الديمقراطية الغربية ترجمة نهائية لحرية الرأي المطلقة, الناتج عن حرية الاعتقاد المطلق. أتفق تماماً بهذه النقطة مع الأستاذ رستناوي, وأتفق معه أكثر وأكثر بقوله: “فلا يوجد ديمقراطية مجردة , بل يوجد طرائق تشكل مختلفة للديمقراطية , وهي مفتوحة على إمكانات مختلفة”. ومن زاوية الإمكانات المختلفة هذه, أعود لأختلف معه, لأن هذا يعني ـ وفق فهمي المتواضع ـ أن لكل شعب ولكل أمة ولكل مجتمع ظروفه وإمكاناته الخاصة التي تستولد بالضرورة تجربته المتميزة, ونعود بالتالي إلى الاختلافات الجوهرية بين الشعوب والمجتمعات (راجع التنقير الأول).
التنقير الثالث: نعم إن الديمقراطية آلية إجرائية, تمكّن المجتمع من التعبير عن أفكاره و طموحاته, وهي مرآة للمجتمع فالمجتمع المتحرر من القيود الجنسية ـ مثلاً ـ سوف تعكس مرآته الديمقراطية رغباته في صيغة قوانين تجيز الزواج المثلي, والمجتمعات الإسلامية عند تطبيق التجربة الديمقراطية سوف تعكس مرآتها الديمقراطية تقاليدها وقيمها الإسلامية بالضرورة, مادام معظم المواطنين يمتلكون هذه الثقافة وهويتهم تلك. لا شك أن هذا الكلام سليم, ولكنه يعيدنا ـ من جديد ـ إلى المربع الأول, أي مربع الاختلافات الجوهرية التي يقر بها الأستاذ رستناوي هنا مرة جديدة, بعدما حاول نفيها وإنكار وجودها في البداية (راجع مجدداً التنقير الأول).
التنقير الرابع: علاقة الديمقراطية بالمال وبأصحاب رؤوس الأموال والمتنفذين داخلياً وخارجياً, هي علاقة ثابتة وراسخة, ولا يمكن الالتفاف عليها بأمثلة سويسرا والسويد, فمثلاً لو أن سياسياً يمينياً متطرفاً (معادياً للسامية بلغة الصهاينة) نجح في انتخابات ديمقراطية في أحد هذين البلدين أو في سواهما, ألن يكون مصيره كمصير هايدر في النمسا؟! إذن ـ ونحن متفقان في هذا ـ الديمقراطية ليست حلاً سحرياً و نهائياً لمشاكلنا, والأهم أنه لا يمكن الركون دوماً إلى نظرية أن الديمقراطية تصحح نفسها (فهي تذكرنا بالرأسمالية التي كان يقال إنها تصحح نفسها, وها هي وصلت وأوصلت العالم إلى ما وصلت إليه). ولكن النقطة الأهم ـ والتي نتفق حولها ـ هي أن النخب الاقتصادية و المالكة لرأس المال هي ذاتها نخب سياسية و حاكمة, سواء بآليات ديمقراطية أم بآليات غير ديمقراطية (سمها ما شئت), وإذن ليس ثمة فرق, ولسنا في حاجة إلى اختبار ديمقراطي يوصل إلى السلطة أمثال جورج دبليو بوش و ديك تشيني وكونداليسا رايس و دونالد رامسفيلد وسواهم, وننتظر بعدها أربع أو ثماني سنوات لكي تصحح الديمقراطية نفسها… هذا إن فعلت حقاً!.
التنقير الخامس: حتماً الحروب الأهلية مرفوضة, سواء كانت بين زعامات اقتصادية وازنة أو بين أحزاب ميليشياوية أو بين طوائف وعشائر وقبائل, ولا مجال لمقارنتها بأي صراع سياسي سلمي سواء أكان ديمقراطياً أو نصف ديمقراطي أو ربع ديمقراطي أو حتى غير ديمقراطي. ولكننا نستغرب من الأستاذ رستناوي أن يفضل الصراع الديمقراطي بين زعامات اقتصادية وازنة ويعتبره الأنجع, مع أن هذا برأيي المتواضع لا يمت للديمقراطية بصلة, بل هو لا يختلف في لبه وجوهره عن أي انقلاب عسكري أبيض, فهذا يتم بتهديد السلاح والقوة, وذاك يتم بسطوة رأس المال, وهي ليست قليلة. هذا يضع البلاد بإمرة العسكر, وذاك يضعها بإمرة التجار. فلماذا لا يكون الأفضل من كل ما طرحه الأستاذ رستناوي هو أن يتحالف العسكر مع التجار ويتفاهموا ويتقاسموا المصالح, ويريحونا من لعبة الانقلابات والانتخابات والديمقراطية!. حقاً إنها نقطة جديرة بالوقوف عندها, حسب تعبير الأستاذ رستناوي عن إحدى نقاط مقالته.
التنقير السادس: لا يمكن للديمقراطية الحقيقية أن تنطوي على كراهية متأصلة ضد دين معين, كما فعل الأستاذ رستناوي ضد الإسلام, فهو بذلك يعبر عن عدم تقبله للفكر المخالف وللرأي الآخر الذي هو جوهر الديمقراطية الحقيقية. والأنكى أن بعض من يرفعون لواء الديمقراطية والإصلاح, كالأستاذ رستناوي, يرفضون نتائج أية انتخابات ديمقراطية تأتي بطرف إسلامي للحكم, وهو حين يدفع عن نفسه التهمة يثبتها, عندما يتكلم بانحياز واضح عن “العملية العسكرية التي قامت بها حماس لطرد فتح من قطاع غزة”, ويعتبرها عملية غير ديمقراطية, غافلاً أو متغافلاً عن كل ما قامت به فتح وخصوصاً جماعة محمد دحلان من ارتكابات وتجاوزات, يحق للسلطة المنتخبة ديمقراطياً أن تتخذ في شأنها ما تراه مناسباً من إجراءات, بما فيها الإجراءات العسكرية, وفق مفهوم الديمقراطية. وعلى من ينادي بالديمقراطية أن يقبل بكافة مستلزماتها, وأن ينتظر الانتخابات المقبلة لكي تصحح الديمقراطية نفسها وتوصله للسلطة, وفق نظرية الأستاذ رستناوي وتحليله لما جرى في الولايات المتحدة ضمن مقالته نفسها, أم إن سياسة الكيل بمكيالين هي مبدأ ديمقراطي أصيل لا غبار عليه؟!.
على أن أكثر ما يؤلم ويحز في القلب, في واقع الأمر, هو التركيز على توجيه سهام الانتقاد نحو حركة حماس, بينما هي تتحمل عن الأمة مجتمعة عبء الكفاح والنضال والمقاومة, في هذه الأيام العصيبة التي تمر بها غزة الجريحة المستباحة, التي تتلقى بصدرها العاري ضربات الغدر والإجرام من عصابات صهيون (المنتخبة ديمقراطياً!) وممن يقف وراءها من أنظمة إقليمية ودولية… منتخبة هي الأخرى حسب ما تقتضيه الأصول الديمقراطية!.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ثقافة وإعلام, ردود, سوريا, سياسة, مقالات رأي, مقالات ساخرة | السمات:, , , , ,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر