أطباء الإسعاف بحاجة إلى إسعاف

كتبهاد. عمار سليمان علي ، في 6 كانون الثاني 2009 الساعة: 15:02 م

أطباء الإسعاف بحاجة إلى إسعاف

لا شك أن من لا يعمل لا يخطئ, والذي يعمل هو الذي يخطئ, وخاصة عندما يكون العمل متعباً ومرهقاً, ولكن عندما يتعلق ذلك العمل بالناحية الطبية والصحية فالأخطاء قد تكون قاتلة.
أسوق هذا الكلام كمدخل للحديث عن وضع الأطباء الذي يداومون في أقسام الإسعاف في المشافي العامة والخاصة على السواء, وهم بغالبيتهم من الأطباء المقيمين المتخرجين حديثاً, والذين تنقصهم الخبرة الكافية والحنكة الضرورية للتعامل مع العديد من الحالات الإسعافية على وجه التحديد. ويزيد في الطين بلة أن أولئك الأطباء ـ سواء في مشافي وزارة التعليم العالي أو وزارة الصحة أو وزارة الدفاع أو حتى القطاع الخاص ـ يعملون لساعات طويلة جداً ويستقبلون حالات عديدة, وأحياناً معقدة ومنهكة نفسياً وجسدياً, وينتهي المطاف بمعظمهم إلى معاناة نقص النوم والإرهاق الذي لا بد أن يستتبع بالضرورة بنقص التركيز, وبالتالي بزيادة احتمالية الوقوع في أخطاء تشخيصية وعلاجية. ومن جهة أخرى فغالبية أولئك الأطباء ـ بسبب فرط انشغالهم وإرهاقهم ـ لا يجدون الوقت الكافي للتعمق في دراستهم والعودة للمراجع وأمهات الكتب الطبية, ناهيك عن حضور المحاضرات والندوات والحلقات الدراسية والمؤتمرات العلمية الطبية.

ما سبق يستدعي بالضرورة إعادة النظر في نظام دوام أطباء الإسعاف والطوارئ والعناية المشددة, بما يحافظ على حسن سير العمل وتقديم أفضل الخدمات للمواطنين المرضى, مع أقل قدر ممكن من الأخطاء الطبية التي يمكن تجاوزها بسهولة بمنح الأطباء قدراً معقولاً من الوقت والراحة وساعات النوم.
ولا يظنن أحد أن الموضوع لا يستحق الاهتمام والمتابعة, وأن طرحه هو من باب الترف والفذلكة. على العكس من ذلك تماماً, فالموضوع يشغل منذ سنوات العديد من الباحثين والمهتمين, وقد نشرت حوله الكثير من المقالات والأبحاث والإحصائيات في شتى أنحاء العالم, وآخرها مقالة هامة نشرت في أيلول 2008 في مجلة الجمعية الطبية الأمريكية كتبها وأعدها كيفن فولب Kevin Volpp  من كلية الطب في جامعة بنسلفانيا وكريستوفر لاندريغن Christopher Landrigan من كلية الطب في جامعة هارفارد. ويقترحان فيها ضرورة أن تقوم المشافي والمشرفون عليها بتغييرات إضافية مستمرة في الطريقة التي يدربون بها الأطباء المتخرجين حديثاً. فهما يلاحظان ببساطة أن جدول العمل النموذجي المتضمن 80 ساعة عمل في الأسبوع لمعظم الأطباء الجدد (والذي خفض تدريجياً من 100 ساعة أو أكثر في الأسبوع كما كان شائعاً قبل عام 2003) لم يؤد حتى الآن ـ وفقاً لما تلاحظه الدراسات الحديثة لتأثير الصيغة الجديدة لساعات العمل ـ إلى أي تحسن في إنقاذ المرضى وراحة الأطباء.
وينتقل الكاتبان بعد ذلك إلى عرض توصيات محددة مثبتة بالوقائع والأرقام. فمثلاً هما يسألان: هل يحتاج الأطباء في الواقع إلى العمل كمناوبين 30 ساعة يتوقع خلالها أن يكون عملهم الفعلي 24 ساعة على الأقل؟!. وللجواب على هذا السؤال يشيران إلى دراسة من أحد أقسام العناية المشددة, وجد بنتيجتها أن اقتصار ساعات المناوبة على 16 ساعة قد أنقص الأخطاء الطبية الممكن تجنبها بمقدار 27٪.
ثم ينتقلان لمستوى آخر من النقاش, فيفترضان أنه إذا كانت الـ 24 ساعة عمل مناوبة تعتبر ضرورية من أجل ضمان استمرارية العناية خلال الساعات الأولى التي يقضيها المريض في المشفى, فهل من ضير إذا ما سمح للأطباء بالنوم ـ بشكل غير متقطع ـ من ست إلى ثماني ساعات في كل مناوبة طويلة؟! مع إمكانية استخدام الكمبيوترات (تسجيل دخول وخروج) لتوثيق متى يكونون فعلاً في الخدمة. ويمكن هنا إيراد ملاحظة أن الأطباء أو بعضهم على الأقل قد يحاولون التلاعب بالنظام الكمبيوتري ـ إن للتهرب من العمل, أو للعمل بشكل إضافي للطموحين منهم ـ وقد يكون من الأجدى التفتيش عن وسائل أخرى تضمن الحد من مخاطر عمل الأطباء بشكل طويل جداً في نوبة واحدة.
ولا يخفي الكاتبان حقيقة الدوافع التي تجعل المشافي تفرض هكذا جداول عمل مرهقة على الأطباء الجدد. فالجواب هو ببساطة: لأنهم يعملون بأجر زهيد, وعندما تقسم عملهم الصافي على عدد الساعات التي كدحوا فيها, سيكون تقريباً بحدود 11 دولاراً للساعة (هذا في الولايات المتحدة الأمريكية, أما في بلدنا فهي بحدود دولار واحد للساعة).
كما ينتقد الكاتبان الممارسة الحالية في تعليم المشافي بقبول عدد كبير من المرضى في يوم محدد, يعتني بهم فريق محدد من الأطباء, وعدم قبول أي مريض في أيام أخرى (ما يسمى نظام الفقاعة أو الدورة), مما ينتج عنه فرط إجهاد وتوتر للفريق الذي يعمل في بداية الدورة, حيث هم يحلون مشاكل التشخيص ويستكشفون أنظمة العلاج. وربما كان من الأفضل عدم قبول أكثر من مريض أو اثنين في أي يوم محدد, مما يسمح بانتباه أكثر تركيزاً على كل مريض.
ولا يفوت الكاتبين التنويه إلى أنه ما لم تقم المشافي بالتعاقد مع أطباء وموظفين أكثر, فإن مجرد إنقاص عدد ساعات العمل للمتمرنين والمقيمين قد تكون فوائده صفراً. والسبب أنه يمكن أن يطلب من الأطباء إنجاز عمل 24 ساعة في نوبة 16 ساعة. وإذا كان هذا ـ أي معالجة نفس عدد المرضى في ساعات أقل ـ يمكن أن يكون حلم أي محاسب أو مستثمر أو صاحب مشفى أو وزير مالية, فإنه بالتأكيد ليس حلم المرضى من المواطنين ولا حلم ذويهم. وعلى إدارات المشافي أن تدرك بشكل خاص أنها قد تنقذ نفسها من العديد من الدعاوى القضائية, إذا نال الأطباء المتمرنون فيها قسطاً أكبر من الراحة.
وإذا كانت الدعاوى القضائية ضد الأطباء والمشافي بسبب الأخطاء الطبية غير دارجة في بلدنا, حتى الآن على الأقل, فلعل هذه المقالة تشكل حافزاً للطرفين ـ المرضى والأطباء ـ للمطالبة بالمزيد من الصحة للفريق الأول, وبالمزيد من الراحة للفريق الثاني, ولتتحد جهودهما في سبيل ذلك, بدلاً من أن يكونا لاحقاً فريقين متضادين في دعاوى قضائية على الطريقة الأمريكية.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ثقافة وإعلام, سوريا, طب وعلم, مجتمع, مقالات رأي | السمات:, , , ,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر