مغناطيس يعالج السرطان
كتبهاد. عمار سليمان علي ، في 2 كانون الثاني 2009 الساعة: 17:29 م
مغناطيس يعالج السرطان
لقد جربت الحرارة في معالجة الأمراض عموماً منذ زمن طويل, ولكن التقنية التي نتكلم عنها هنا هي شيء آخر تماماً. فهي وإن كانت تستخدم الحرارة لقتل الخلايا السرطانية, إلا أنها في الواقع تعمل ـ بالمعنى الحرفي للكلمة ـ ككابح مغناطيسي للأمراض, إذ تستخدم مغانط (جمع مغناطيس) شبه كروية, أو ما يمكن تسميتها كريات مغناطيسية, للمساعدة في القتل الحذر للخلايا المستهدفة المصابة فقط ولا شيء آخر. وما يعطي تلك المغانط مزاياها غير العادية هو حجومها البالغة الصغر, فقطر كل منها تقريباً جزء من ألف من قطر شعرة الإنسان.
تعود بذور هذه التقنية إلى خمسينيات القرن الماضي, عندما قام فريق من الباحثين في مستشفى القديس الكنسي لوك Presbyterian-St. Luke’s Hospital بقيادة ر ك غيلكريستGilchrist RK بنشر نتائج دراسة أجروها حول مقاربة جديدة واعدة آنذاك. وتضمنت تلك الدراسة قيام أطباء جراحين من الفريق نفسه بحقن بودرة أكسيد الحديد الناعمة داخل العقد اللمفاوية المشتبه باستضافتها لانتقالات ورمية ـ وهذه تشكل بذوراً لسرطانات جديدة ـ ثم طبقوا حقلاً مغناطيسياً لتسخين المغانط الدقيقة. وقد كانت النتائج كالسحر, كما يذكر الباحثون في وثائق حوليات الجراحة للعام 1957, وقد استنتجوا “أن المطلوب قدر قليل من الخيال لجعل استعمال تلك الأداة أمراً ممكناً”. ولكن تلك التقنية تراجعت وأهملت خلال العقود الأربعة التالية, لأنها تتطلب شيئاً لم يكن موجوداً في حينها, وهو مجموعات بحثية تحقق التواصل والتكامل بين الكيمياء والفيزياء والطبيعيات وعلم العناصر وبيولوجيا الخلية. أما في الوقت الحاضر فقد نجحت الجهود الجماعية لفرق الباحثين في صنع مغانط أصغر وأكثر فعالية, وبناء استراتيجيات مثالية لتنشيط المغانط النانوية بدون حرق النسيج السليم على طول الطريق. ويصمم معظم الباحثين في هذا الحقل مغانطهم بقياس جزء من مليار من المتر لتعمل كمسخنات مركزة بشدة, حيث تسخن الجزيئات المغناطيسية تحت تأثير حقل مغناطيسي خارجي إلى درجة الحرارة التي تقتل الخلايا المجاورة.
وقد سجلت مؤخراً مجموعتان بحثيتان أمريكيتان نجاحاً في تطوير مغانط نانوية مصنعة من الحديد والكوبالت عالية الأداء لمعالجة السرطان. كما تتحدث دراسات حديثة لمجموعة بحثية أخرى عن إمكانية استهداف وتعقب وتوزيع الحرارة القاتلة عبر نوع أضعف, ولكن ربما أقل سمية, من الجزيئات المغناطيسية النانوية الخالية من الكوبالت.
إذا عملت هذه الشذرات النانوية nanonuggets ومثيلاتها كما هو متوقع, فإنها سوف تؤدي إلى زيادة معدلات بقاء مرضى السرطان على قيد الحياة, وتخفض السمية المرافقة لمعالجات السرطان التقليدية. وهذا ما دفع بوكالة ماغ فورس للتكنولوجيا النانوية MagForce Nanotechnologies AG في برلين إلى إجراء بحوث مكثفة بغرض جعل كرياتها المغناطيسية البالغة الصغر تؤدي وظيفة مزدوجة بشكل متزامن: أولاً تسخين وبالتالي معالجة الأورام في الجسم, وثانياً توزيع وإيصال الأدوية إلى داخل الخباثات بشكل مباشر. يفترض أن يؤدي هذا التوصيل المباشر للأدوية إلى إزالة التأثيرات السامة للنسج السليمة التي تميز في الأساس معظم المعالجات الحالية للسرطان. وعلى الرغم من وجود دزينة من الفرق البحثية حالياً في أنحاء العالم يطور أفرادها كرياتهم العلاجية, كما يلاحظ روبرت آيفكوف Robert Ivkov من جامعة جون هوبكنز في بالتيمور(وهو الذي وضع مع آخرين البرهان على مبدأ التقنية من خلال دراساته على الحيوانات وفي أنابيب الاختبار) إلا أن وكالة ماغ فورس هي المجموعة الوحيدة التي اختبرت المعالجة المغناطيسية النانوية على البشر, وبالتالي فهي تبدو الأقرب إلى الانطلاق نحو التسويق التجاري. ووفقاً لـ يوي ماسكيك Uwe Maschek المدير التنفيذي الأعلى للشركة, فقد أقامت وكالته على مدى السنوات الخمس الماضية تجارب شملت مصابين بثمانية أنواع من السرطان على الأقل. والتجربة الأكثر تقدماً بين تلك التجارب القائمة حالياً تدرس حوالي 65 مريضاً في المرحلة المتأخرة من الورم الدبقي عديد الأشكال الناكس recurrent glioblastoma multiforme, وهو نوع من سرطانات الدماغ, لا يعيش الأشخاص المصابون به عادة أكثر من سبعة أشهر. وإذا نجحت التجربة وأدى العلاج المغناطيسي النانوي إلى إطالة حياة هؤلاء المصابين ثلاثة أشهر, فإن ماسكيك يأمل في أن تحصل وكالة ماغ فورس على ترخيص نظامي لتسويق تقنيتها في دول الاتحاد الأوروبي في الربع الأول من العام 2010, متوجة بذلك جهوداً هائلة بدأها أندرياس جوردن Andreas Jordan ـ وهو مؤسس ماغ فورس ـ منذ عشرين سنة باستكشاف إمكانية معالجة السرطان بالمغانط النانوية, مستهدفاً “استخدام الحرارة المفرطة التي تحدث بالأساس حميات عالية تتراوح بين 44 و50 درجة مئوية لقتل الأنسجة المريضة. ليس فقط لأن الخلايا السرطانية هي الأكثر حساسية للحرارة, بل كذلك لأن الأشعة والأدوية السرطانية تميل للعمل بشكل أفضل على خلايا مجهَدة حرارياً”.
من جهة أخرى أعلن في الولايات المتحدة الأمريكية في 2 حزيران 2008 عن اندماج شركتين إحداهما هي شركة آيفكوف السابقة التي كانت تسمى تريتون بيوسيستيمز إنك Triton BioSystems Inc وذلك لتشكيل شركة جديدة سميت آدورو بيوتيك Aduro Biotech . ولدى زيارة الموقع الالكتروني للشركة الجديدة يمكن تصفح خريطة التجارب التي ستقدم معالجات مغناطيسية نانوية لمرضى السرطان في الولايات المتحدة خلال العام القادم 2009.
تعمل كل المجموعات البحثية تقريباً بمغانط أكسيد الحديد النانوية. ولكن في عدد 1 نيسان من مجلة الفيزياء التطبيقية Journal of Applied Physics نشرت مجموعة مايكل ماك هنري من جامعة كارنيجي ميلون في بتسبورغ تقريراً عن تطوير جزيء خال من أكسيد الحديد والكوبالت وقوته المغناطيسية أقوى بخمس إلى عشر مرات من مغانط الأكسيد. ويعتقد ماك هنري أن هذا يمكن أن يسمح بالمعالجة باستخدام عدد أقل من الجزيئات المغناطيسية النانوية أو حقل خارجي ذي طاقة أخفض لتسخين الكريات النانوية.
على كل حال يمكن بشكل مدروس طلاء الكريات المغناطيسية لحجب الكوبالت ذي السمية الكامنة, ولمنع المغانط النانوية من الظهور كأجسام غريبة يسعى الجسم للتخلص منها, كما يمكن أن يدعّم هذا الطلاء بأضداد ترتبط انتقائياً بمستقبلات توجد على سطح الهدف, وهو هنا الخلية السرطانية.
كما نشرت مجلة الجمعية الكيميائية الأمريكية Journal of the American Chemical Society في منتصف تموز تقريراً لـ غينيث سكاربيري Kenneth Scarberry وزملائه في معهد جورجيا للتكنولوجيا في أطلنطا, يصفون فيها نسخة أكسيدية من صيغة حديد ـ كوبالت لكرياتهم النانوية. حيث يقولون إنهم منحوا مغانطهم النانوية “طلاء سكرياً” من حمض الغالاكتوروني المتعددpolygalacturonic acid , ومن ثم ربطوا إلى الطلاء بنى دقيقة شبه بروتينية. تتصرف الببتيدات المرتبطة ككلابات أو خطافات لنزع المستقبلات التي توجد فقط على سطح خلايا سرطان المبيض. وقد ذكر العلماء أن وضع مغناطيس كبير على جلد فأر معالج يمكنهم من سحب الكريات النانوية المحقونة إلى الجانب الآخر من الجلد, مما يسهل نزع الكريات النانوية نهائياً. ولكن الاستعمال الأكثر إثارة للباحثين ـ حسب سكاربيري ـ هو نظام شبيه بتنقية الدم dialysis (غسيل الكلى). فهو يضخ سوائل من داخل الجسم عبر أنبوب خارج الجسم, وتوضع المغانط النانوية المعالجة بخلايا سرطان المبيض “الكلابات أو الخطافات” داخل الأنبوب, ومن ثم سوف تقوم الكريات باصطياد وكبح الخلايا النقائلية الخبيثة التي يمكن أن تمر, وهكذا تتم تصفية الدم قبل عودته إلى الجسم.
وكان علماء في جامعة كاليفورنيا وكلية ديفيس الطبية وشركة تريتون بيوسيستيمز (قبل اندماجها) قد تعاونوا على مدى سنوات عديدة لإنجاز دراسات متعلقة بالموضوع, مستخدمين نموذجاً مختلفاً غير جزيئي. وهو ما يشرحه آيفكوف بقوله:”بدلاً من صنع مغانط مطلية بالسكر, صنعوا في الأساس كرات سكر دعمت في كل مكان بحبات زبيب من أكسيد الحديد المغناطيسي”.
بعد ذلك قامت مجموعة آيفكوف بإضافة أضداد ارتبطت بمستقبلات على خلايا سرطان الثدي, ثم حقنوا المغانط النانوية داخل فأر كان قد بُذر بهذه الخلايا السرطانية, وسخنوا الكريات لمدة عشرين دقيقة. وبالنتيجة تقلصت الأورام في الحيوانات المعالجة أكثر مما كان متوقعاً.
على أن معالجة السرطان ليست الاستخدام الطبي الوحيد لهذه المغانط النانوية التي تشخص إليها عيون العلماء والأطباء, ويشار في هذا الصدد إلى أن سكاربيري بدأ يهتم بهذه التقنية منذ سنتين عندما أدرك أنها يمكن أن تقدم مساعدة ذكية للمعالجة المنهجية لفيروس الايدز ـ HIV . وهو وإن لم يرغب في قول الكثير حالياً, إلا أنه يعتبر أن “معلوماته التمهيدية حول الموضوع تبدو واعدة”.
المصدر: www.sciencenews.org
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : طب وعلم | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























