تنقيرات حول الديمقراطية والإسلام
ستأخذ هذه المقالة شكل تنقيرات على بعض ما ورد في مقالة الأستاذ حمزة رستناوي, المنشورة في كلنا شركاء يوم الإثنين 28 كانون الأول 2008, والتي أخذت بدورها “صفة تعليقات و ردود على وجهة نظر متفشية في الثقافة العربية الإسلامية بشقها المحافظ”, وستحاول تنقيراتنا أن تضرب العصفورين ـ المقالة الأصل والرد عليها ـ بحجر واحد:
التنقير الأول: مما لا شك فيه, سواء كان هناك اختلاف جوهري بين الإنسان المسلم وغير المسلم أم لم يكن هذا الاختلاف موجوداً, أن الديمقراطية الغربية مفهوم له دلالاته التي تتفق ومعتقداتهم في الغرب أو في الشرق غير المسلم, وهي ذات مستويات تختلف حسب البلد أيضاً. ولنلاحظ بتمعن أن المنزل والسيارة والبطاطا والحليب وكل ما ذكره الأستاذ رستناوي من أمثلة, هي أمور بحت ظاهرية, لا تمت بصلة لجوهر الإنسان ولباب عقله وطريقة تفكيره, وبالتالي فهي غير موفقة كأمثلة, لأنها لا تلغي وجود تمايزات جوهرية بين المجتمعات المختلفة, كما أراد الأستاذ رستناوي أن يبرهن من خلالها.
التنقير الثاني: بالتأكيد ليست الديمقراطية الغربية ترجمة نهائية لحرية الرأي المطلقة, الناتج عن حرية الاعتقاد المطلق. أتفق تماماً بهذه النقطة مع الأستاذ رستناوي, وأتفق معه أكثر وأكثر بقوله: “فلا يوجد ديمقراطية مجردة , بل يوجد طرائق تشكل مختلفة للديمقراطية , وهي مفتوحة على إمكانات مختلفة”. ومن زاوية الإمكانات المختلفة هذه, أعود لأختلف معه, لأن هذا يعني ـ وفق فهمي المتواضع ـ أن لكل شعب ولكل أمة ولكل مجتمع ظروفه وإمكاناته الخاصة التي تستولد بالضرورة تجربته المتميزة, ونعود بالتالي إلى الاختلافات الجوهرية بين الشعوب والمجتمعات (راجع التنقير الأول).
التنقير الثالث: نعم إن الديمقراطية آلية إجرائية, تمكّن المجتمع من التعبير عن أفكاره و طموحاته, وهي مرآة للمجتمع فالمجتمع المتحرر من القيود الجنسية ـ مثلاً ـ سوف تعكس مرآته الديمقراطية رغباته في صيغة قوانين تجيز الزواج المثلي, والمجتمعات الإسلامية عند تطبيق التجربة الديمقراطية سوف تعكس مرآتها الديمقراطية تقاليدها وقيمها الإسلامية بالضرورة, مادام معظم المواطنين يمتلكون هذه الثقافة وهويتهم تلك. لا شك أن هذا الكلام سليم, ولكنه يعيدنا ـ من جديد ـ إلى المربع الأول, أي مربع الاختلافات الجوهرية التي يقر بها الأستاذ رستناوي هنا مرة جديدة, بعدما حاول نفيها وإنكار وجودها في البداية (راجع مجدداً التنقير الأول).
التنقير الرابع: علاقة الديمقراطية بالمال وبأصحاب رؤوس الأموال والمتنفذين داخلياً وخارجياً, هي علاقة ثابتة وراسخة, ولا يمكن الالتفاف عليها بأمثلة سويسرا والسويد, فمثلاً لو أن سياسياً يمينياً متطرفاً (معادياً للسامية بلغة الصهاينة) نجح في انتخابات ديمقراطية في أحد هذين البلدين أو في سواهما, ألن يكون مصيره كمصير هايدر في النمسا؟! إذن ـ ونحن متفقان في هذا ـ الديمقراطية ليست حلاً سحرياً و نهائياً لمشاكلنا, والأهم أنه لا يمكن الركون دوماً إلى نظرية أن الديمقراطية تصحح نفسها (فهي تذكرنا بالرأسمالية التي كان يقال إنها تصحح نفسها, وها هي وصلت وأوصلت العالم إلى ما وصلت إليه). ولكن النقطة الأهم ـ والتي نتفق حولها ـ هي أن النخب
المزيد