قيد التجريب: شبكة انترنت جديدة

كانون الثاني 24th, 2009 كتبها د. عمار سليمان علي نشر في , طب وعلمComments Off

قيد التجريب: شبكة انترنت جديدة

يعوّل العلماء حالياً على فيزياء الكم  لتحقيق اختراقات كبرى في شبكة الانترنت, ليس فقط في مجال التشفير وزيادة السرية كما اعتقدوا في البداية, بل في مجالات أخرى كثيرة.

فهاهي العاصمة النمساوية فيينا تستقبل طريقة جديدة لتصفح الانترنت, حيث شغّل العلماء ابتداء من 8 تشرين الثاني 2008 نسخة تجريبية من انترنت الكم, وهي شبكة تسمح للمستخدمين بتبادل الرسائل كرموز مشفرة غير قابلة للاختراق الفعلي, حيث ينتظر منها أن توضح كيف يمكن لقوانين فيزياء الكم أن تؤمن سرية كاملة للمعلومات (مثل البريد الالكتروني أو رصيد الحساب الجاري) وتبقيها آمنة تماماً من عيون المتلصصين والمتطفلين.

ويقر الجميع بأن شبكة فيينا هي مجرد نموذج أولي لأغراض بحثية, وليست نسخة حقيقية من الانترنت, فهي ليست سوى العمود الفقري لشبكة محدودة سوف تعمل غالباً بسرعة مودم الثمانينيات, وعلى المستخدم الراغب بالدخول إليها أن يشتري عدة باهظة الثمن, وأن يربط ليفاً ضوئياً إلى واحدة من العقد الخمسة للعمود الفقري. وعلى الرغم من أنها تستطيع نقل البيانات العادية بأمن كمي, إلا أنها لا تستطيع حتى الآن نقل معلومات الكم التي تشفر حالات الأشياء التي تخضع لقواعد الكم, ولكن العلماء متفائلون بقرب حدوث ذلك, رغم أن الفكرة برمتها استهجنت في البداية, لأن معلومات الكم مشهورة بتذبذبها: شيء يميل للحياة في حالات متعددة متراكبة (مثل الكترون يستطيع الدوران في اتجاهين بنفس الوقت, أو ذرة تستطيع أن تكون بشكل متزامن في مكانين) إلى أن يجبره التفاعل مع بقية الكون على اختيار حالة واحدة فقط.

إذن حقيقة الكم هو الحالة المتوسطة للاحتمالات المتعايشة. وبما أن أي قياس لنظام الكم سيغير حالة النظام بشكل يتعذر إلغاؤه, فإن معلومات الكم ستكون مختلفة في كل مرة تقرأ فيها, وهذا يجعل من المستحيل نسخ أو نشر أو تخزين تلك المعلومات. كما يمكن للفيزياء غير التقليدية أن تضفي على الشبكات قوى فريدة, ففي الكمبيوتر العادي كل بت bit (وحدة حاسوبية) من بياناته يأخذ القيمة واحد أو صفر, أما وحدة معلومات الكم (وحدة حاسوبية كمية) التي تسمى كيوبت qubit  (اختصارQuantum bit) فتستطيع أن تأخذ كلتا القيمتين بنفس الوقت.

إذن تستطيع انترنت الكم أن تنقل بيانات وبرامج الكترونية بين كمبيوترات الكم المستقبلية التي ستتمكن من التفوق على أداء الكمبيوترات العادية, وذلك بتشغيل عمليات متعددة بنفس الوقت (تراكبsuperposition). وربما توفر الشبكة أشكالاً جديدة للتفاعل الاجتماعي, في مجال الانتخابات مثلاً, وكل ذلك بسرية مطلقة. وقد تتوصل شبكة الكم إلى أن تنقل بواسطة الأشعة أشياء مادية, حيث تنقل كل المعلومات الضرورية لإعادة تخليق الشيء, كشكله وطاقته, إلى مكان آخر. وهذا ما يتحدث عنه بتفاؤل كبير ميكائيل لوكين Mikhail Lukin الباحث في جامعة هارفارد, الذي يعتقد "أن السنوات القليلة القادمة ستشهد بناء شبكة انترنت كمية حقيقية, مختبرية على الأقل".

مفتاح الكم المتين

في أنفاق ممتدة تحت مدينة فيينا ونهر الدانوب, تطلق نبضات ضوئية على طول عشرات الكيلومترات من الألياف الضوئية العائدة إلى تكتل شركات سيمنس الهندسية الألمانية, وتتعاون أكثر من 40 جامعة وشركة ومعهد أبحاث لتؤلف تقنية مشتركة لربط خمسة أبنية لسيمنس: أربعة منها مبعثرة عبر المدينة, والخامس على بعد 85 كم في بلدة سان بيتن. وستتم الاتصالات بين بناء وبناء بغية تمرير المعلومات باستخدام أنظمة التشفير الكمي, التي استوحي معظمها من نسخة التشفير الكمي التي اقترحها عام 1991 آرتور إكيرتArtur Ekert الذي يعمل حالياً في الجامعة الوطنية في سنغافورة. ويقتضي إجراء إكيرت أن يستخدم المرسل والمتلقي, المسميان تقليدياً أليس وبوب, اتصالين أحدهما كمي والآخر تقليدي (انترنت قديم جيد أو خط هاتفي). يؤسس أليس وبوب من خلال الاتصال الكمي مفتاح تشفير مشترك, وهو سلسلة سرية من بتات (جمع بت) المعلومات التي ستستخدمها أليس لتشفير رسالتها, ويستخدمها بوب لفك شفرتها. يمكن لأليس بعد ذلك أن ترسل رسالة مشفرة إلى بوب من خلال الاتصال التقليدي, مثلاً مرفق بريد ألكتروني. ستبدو رسالة أليس, بالنسبة لشخص لا يعرف المفتاح, كسلسلة عشوائية من البتات, وحتى أكثر الكمبيوترات تطوراً لن تتمكن من فك شفرتها, ولكن بوب الذي يعرف المفتاح سوف يستطيع فك الشفرة وقراءة الرسالة.

النقطة الحاسمة في الموضوع هي المحافظة على سرية المفتاح منذ إنشائه, وهنا يستثمر إكيرت فيزياء الكم وبالتحديد الظاهرة العجيبة التي تسمى "تشابك الكم" entanglement Quantum (إذا كان لدينا شيئان فيمكن أن يكون لكل منهما حالته الخاصة, أو يمكن أن "تتشابك" حالتاهما, وهذا يعني أنهما عندما ينفصلان لن يكونا مستقلين أحدهما عن الآخر).

لنأخذ الفوتونات كمثال, فعندما نطلقها عبر ليف ضوئي ستتذبذب على الجانبين, فإذا أخذنا فوتونين معينين فمن الممكن أن يكون تذبذبهما في اتجاهين مستقلين, وهذا ما يسمى الاستقطاب الخطي, أو يحدث "تشابك" بينهما بحيث أنه إذا كان أحدهما مستقطباً عمودياً يكون الآخر مستقطباً أفقياً, والعكس بالعكس.

تعتمد طريقة إكيرت للتشفير على أداة ليزرية تطلق أزواجاً من الفوتونات المتشابكة, وترسل فوتوناً واحداً من كل زوج متشابك إلى أليس والآخر إلى بوب. وبما أن الفوتونات في كل زوج متشابك تملك استقطابات مترابطة, سيكون باستطاعة أليس وبوب تحويل المعلومات إلى مفتاح مشترك, مثلاً صفر لكل فوتون مستقطب عمودياً وواحد لكل فوتون مستقطب أفقياً.

ولكن أليس وبوب يرغبان كذلك في التأكد من أن الفوتونات التي يستخدمانها لم يعترضها أحد, وبما أن كل متجسس يعترض الفوتونات, محاولاً سرقة المفتاح, سوف يغير أو يخرب حالات الفوتونات, لأنه يستحيل قياس حالة نظام كمي دون تغييره بشكل يتعذر إلغاؤه, لذلك سيقوم أليس وبوب, عبر الاتصال الهاتفي, بإجراء مقارنة على فوتونات تجربتهما, فإذا لاحظا أية اختلافات سوف يعلمان أن أحد المتجسسين كان هناك, فيلغيان

المزيد


أطباء الإسعاف بحاجة إلى إسعاف

كانون الثاني 6th, 2009 كتبها د. عمار سليمان علي نشر في , ثقافة وإعلام, سوريا, طب وعلم, مجتمع, مقالات رأي

أطباء الإسعاف بحاجة إلى إسعاف

لا شك أن من لا يعمل لا يخطئ, والذي يعمل هو الذي يخطئ, وخاصة عندما يكون العمل متعباً ومرهقاً, ولكن عندما يتعلق ذلك العمل بالناحية الطبية والصحية فالأخطاء قد تكون قاتلة.
أسوق هذا الكلام كمدخل للحديث عن وضع الأطباء الذي يداومون في أقسام الإسعاف في المشافي العامة والخاصة على السواء, وهم بغالبيتهم من الأطباء المقيمين المتخرجين حديثاً, والذين تنقصهم الخبرة الكافية والحنكة الضرورية للتعامل مع العديد من الحالات الإسعافية على وجه التحديد. ويزيد في الطين بلة أن أولئك الأطباء ـ سواء في مشافي وزارة التعليم العالي أو وزارة الصحة أو وزارة الدفاع أو حتى القطاع الخاص ـ يعملون لساعات طويلة جداً ويستقبلون حالات عديدة, وأحياناً معقدة ومنهكة نفسياً وجسدياً, وينتهي المطاف بمعظمهم إلى معاناة نقص النوم والإرهاق الذي لا بد أن يستتبع بالضرورة بنقص التركيز, وبالتالي بزيادة احتمالية الوقوع في أخطاء تشخيصية وعلاجية. ومن جهة أخرى فغالبية أولئك الأطباء ـ بسبب فرط انشغالهم وإرهاقهم ـ لا يجدون الوقت الكافي للتعمق في دراستهم والعودة للمراجع وأمهات الكتب الطبية, ناهيك عن حضور المحاضرات والندوات والحلقات الدراسية والمؤتمرات العلمية الطبية.

ما سبق يستدعي بالضرورة إعادة النظر في نظام دوام أطباء الإسعاف والطوارئ والعناية المشددة, بما يحافظ على حسن سير العمل وتقديم أفضل الخدمات للمواطنين المرضى, مع أقل قدر ممكن من الأخطاء الطبية التي يمكن تجاوزها بسهولة بمنح الأطباء قدراً معقولاً من الوقت والراحة وساعات النوم.
ولا يظنن أحد أن الموضوع لا يستحق الاهتمام والمتابعة, وأن طرحه هو من باب الترف والفذلكة. على العكس من ذلك تماماً, فالموضوع يشغل منذ سنوات العديد من الباحثين والمهتمين, وقد نشرت حوله الكثير من المقالات والأبحاث والإحصائيات في شتى أنحاء العالم, وآخرها مقالة هامة نشرت في أيلول 2008 في مجلة الجمعية الطبية الأمريكية كتبها وأعدها كيفن فولب Kevin Volpp  من كلية الطب في جامعة بنسلفانيا وكريستوفر لاندريغن Christopher Landrigan من كلية الطب في جامعة هارفارد. ويقترحان فيها ضرورة أن تقوم المشافي والمشرفون عليها بتغييرات إضافية مستمرة في الطريقة التي يدربون بها الأطباء المتخرجين حديثاً. فهما يلاحظان ببساطة أن جدول العمل النموذجي المتضمن 80 ساعة عمل في الأسبوع لمعظم الأطباء الجدد (والذي خفض تدريجياً من 100 ساعة أو أكثر في الأسبوع كما كان شائعاً قبل عام 2003) لم يؤد حتى الآن ـ وفقاً لما تلاحظه الدراسات الحديثة لتأثير الصيغة الجديدة لساعات العمل ـ إلى أي تحسن في إنقاذ المرضى وراحة الأطباء.
وينتقل الكاتبان بعد ذلك إلى عرض توصيات محددة مثبتة بالوقائع والأرقام. فمثلاً هما يسألان: هل يحتاج الأطباء في الواقع إلى العمل كمناوبين 30 ساعة يتوقع خلالها أن يكون عملهم الفعلي 24 ساعة على الأقل؟!. وللجواب على هذا السؤال يشيران إلى دراسة من أحد أقسام العن

المزيد


مغناطيس يعالج السرطان

كانون الثاني 2nd, 2009 كتبها د. عمار سليمان علي نشر في , طب وعلم

مغناطيس يعالج السرطان

لقد جربت الحرارة في معالجة الأمراض عموماً منذ زمن طويل, ولكن التقنية التي نتكلم عنها هنا هي شيء آخر تماماً. فهي وإن كانت تستخدم الحرارة لقتل الخلايا السرطانية, إلا أنها في الواقع تعمل ـ بالمعنى الحرفي للكلمة ـ ككابح مغناطيسي للأمراض, إذ تستخدم مغانط (جمع مغناطيس) شبه كروية, أو ما يمكن تسميتها كريات مغناطيسية, للمساعدة في القتل الحذر للخلايا المستهدفة المصابة فقط ولا شيء آخر. وما يعطي تلك المغانط مزاياها غير العادية هو حجومها البالغة الصغر, فقطر كل منها تقريباً جزء من ألف من قطر شعرة الإنسان.

تعود بذور هذه التقنية إلى خمسينيات القرن الماضي, عندما قام فريق من الباحثين في مستشفى القديس الكنسي لوك Presbyterian-St. Luke’s Hospital بقيادة ر ك غيلكريستGilchrist  RK بنشر نتائج دراسة أجروها حول مقاربة جديدة واعدة آنذاك. وتضمنت تلك الدراسة قيام أطباء جراحين من الفريق نفسه بحقن بودرة أكسيد الحديد الناعمة داخل العقد اللمفاوية المشتبه باستضافتها لانتقالات ورمية ـ وهذه تشكل بذوراً لسرطانات جديدة ـ ثم طبقوا حقلاً مغناطيسياً لتسخين المغانط الدقيقة. وقد كانت النتائج كالسحر, كما يذكر الباحثون في وثائق حوليات الجراحة للعام 1957, وقد استنتجوا “أن المطلوب قدر قليل من الخيال لجعل استعمال تلك الأداة أمراً ممكناً”. ولكن تلك التقنية تراجعت وأهملت خلال العقود الأربعة التالية, لأنها تتطلب شيئاً لم يكن موجوداً في حينها, وهو مجموعات بحثية تحقق التواصل والتكامل بين الكيمياء والفيزياء والطبيعيات وعلم العناصر وبيولوجيا الخلية. أما في الوقت الحاضر فقد نجحت الجهود الجماعية لفرق الباحثين في صنع مغانط أصغر وأكثر فعالية, وبناء استراتيجيات مثالية لتنشيط المغانط النانوية بدون حرق النسيج السليم على طول الطريق. ويصمم معظم الباحثين في هذا الحقل مغانطهم بقياس جزء من مليار من المتر لتعمل كمسخنات مركزة بشدة, حيث تسخن الجزيئات المغناطيسية تحت تأثير حقل مغناطيسي خارجي إلى درجة الحرارة التي تقتل الخلايا المجاورة.

وقد سجلت مؤخراً مجموعتان بحثيتان أمريكيتان نجاحاً في تطوير مغانط نانوية مصنعة من الحديد والكوبالت عالية الأداء لمعالجة السرطان. كما تتحدث دراسات حديثة لمجموعة بحثية أخرى عن إمكانية استهداف وتعقب وتوزيع الحرارة القاتلة عبر نوع أضعف, ولكن ربما أقل سمية, من الجزيئات المغناطيسية النانوية الخالية من الكوبالت.

إذا عملت هذه الشذرات النانوية nanonuggets ومثيلاتها كما هو متوقع, فإنها سوف تؤدي إلى زيادة معدلات بقاء مرضى السرطان على قيد الحياة, وتخفض السمية المرافقة لمعالجات السرطان التقليدية. وهذا ما دفع بوكالة ماغ فورس للتكنولوجيا النانوية MagForce Nanotechnologies AG في برلين إلى إجراء بحوث مكثفة بغرض جعل كرياتها المغناطيسية البالغة الصغر تؤدي وظيفة مزدوجة بشكل متزامن: أولاً تسخين وبالتالي معالجة الأورام في الجسم, وثانياً توزيع وإيصال الأدوية إلى داخل الخباثات بشكل مباشر. يفترض أن يؤدي هذا التوصيل المباشر للأدوية إلى إزالة التأثيرات السامة للنسج السليمة التي تميز في الأساس معظم المعالجات الحالية للسرطان. وعلى الرغم من وجود دزينة من الفرق البحثية حالياً في أنحاء العالم يطور أفرادها كرياتهم العلاجية, كما يلاحظ روبرت آيفكوف Robert Ivkov من جامعة جون هوبكنز في بالتيمور(وهو الذي وضع مع آخرين البرهان على مبدأ التقنية من خلال دراساته

المزيد


حيوانات تتأنق… وتتألق

كانون الأول 17th, 2008 كتبها د. عمار سليمان علي نشر في , طب وعلم, مجتمع

حيوانات تتأنق… وتتألق

التقزح اللوني Iridescence هو عبارة عن ظهور ألوان قوس قزح التي تتحرك وتتغير تبعاً لتغير الزاوية التي تشاهد منها. وإذا كانت معظم الآراء تتفق على جمال ظاهرة التقزح اللوني, فإن السؤال المهم الذي يطرح نفسه: هل لهذا التقزح اللوني الجميل معنى أو دلالة؟!.

لنأخذ, على سبيل المثال, ذيل الطاووس. يمكن للمرء أن يشبهه بسترة سهرة رجالية أنيقة منسوجة بدقة ولطافة, أو أن يقول عنه: إنه شديد الجاذبية, ولا بد أن تحبه أنثاه (الطاووسة). إنما, صدقنا أم لم نصدق, لم يتمكن العلم من سبر أغوار ذلك الذيل إلا مؤخراً وبالكاد!. وما زال هناك الكثير من الأمور التي يصعب فهمها. وفي هذا الإطار تبرز الأسئلة المهمة التي تطرحها روزلين داكين Roslyn Dakin وهي من جامعة الملكة في كينغستون في كندا, وقد غادرت جامعتها لعدة أسابيع أمضتها في لوس أنجلوس ونيويورك لزيارة الطواويس (الطيور), حيث قامت بجمع الريش ومراقبة الذكور وهي تفرش ملابسها المزركشة المبهرجة أمام الإناث, وتقوم بجميع أنواع الرقصات الغريبة بأقدامها, فتارة تقوم بخطوات جانبية, وأحياناً تتبختر نحو الخلف, بذيول تبدو كجدران من وميض. والوصف السابق لـ داكين التي كانت تبحث عما يؤيد فكرتها حول وجود منهج محدد عند ذكور الطاووس التي تقوم في الجزء الأخير من العرض بهز ريشاتها الكبيرة بشكل نشيط بحيث تحدث صوتاً سريعاً رائعاً. وتفترض داكين أن حركات أقدام الذكور هي مناورات مدروسة لجعلها هي ومن يحضر عرضها تصطف مع الشمس بشكل معين, وصولاً إلى خاتمة المشهد. فالزوايا بالنسبة للطاووس هي كل شيء, وعندما تقف أنثى الطاووس, والشمس عن يمينها وخلفها, تكتسب الزاوية الأكثر روعة وإدهاشاً على الريش. وتفاجئنا الريشات الزرقاء والخضراء النارية التي تشكل رمزاً للزركشة المسرفة بأنها لا تحتوي على أية أصبغة زرقاء أو خضراء, بل تحوي فقط صباغاً أسود, والباقي بكامله من تأثير الضوء فقط. إنها إذن خدعة الألوان السحرية التي تعتمد على ما يبدو على البنية النانومترية, حيث تبين على مقياس من مئات النانومترات أن الفروع الأصغر داخل ريش الطاووس تظهر مغطاة بمجموعة كبيرة من القضبان المرتبة. وعندما يقفز الضوء بعيداً تتحد أمواج من أطوال معينة لتكثف اللون كأمواج من أطوال أخرى تتداخل وتتوازن مع بعضها البعض. ويتبدل تأثير هذه السيمفونية الضوئية مع تبدل زاوية النظر, وهذا هو تعريف التقزح اللوني.

قدمت داكين شرحاً مفصلاً عن عملها في مؤتمر عن التقزح اللوني انعقد في شباط 2008 في جامعة ولاية أريزونا في مدينة تيمبي Tempe. وقد ذهل علماء الفيزياء الذين حضروا المؤتمر عندما اكتشفوا أن تلك الطيور والخنافس والفراشات ومجموعة كبيرة من المخلوقات الأخرى قد طورت ـ قبل وقت طويل من قيام التكنولوجيا الحديثة بذلك ـ أنظمة بصرية تمثل آخر ما توصل إليه العلم الحديث. وحالياً تحاول داكين والعديد من علماء الأحياء تحديد ما هي الحيوانات التي تقوم باستعراضاتها الضوئية الخاصة. ويبدو أن هذه المعاجز النانوية nano-marvels  تشكل أنظمة ممتازة لاختبار النظريات المختلفة حول مدى تطور أنظمة الاتصالات الحيوانية. وقد شهد المؤتمر المذكور نقاشات حيوية ومن الأسئلة الهامة التي طرحت: بما أن التقزح اللوني عملية صعبة التنفيذ فكيف يمكن أن يكون له قدرة إشاريّة؟!. فالذكور الأفضل فقط سوف تزدهي بالألوان الساطعة, أما الإناث فسوف تتطور لكي تختار الرفاق الأكثر جاذبية!. وتبنّى هذا الاتجاه بقوة ريتشارد برام Richard Prum  وهو عالم أحياء من جامعة يال Yale, حيث حاول في المؤتمر أن يبرهن أن البحث عن مفاتيح هذه الخاصية أو دلالاتها يمكن أن يكون تفكيراً فيما نرغب أن يكون صحيحاً. وإذ قبل بأن الزخرفة المتقزحة الألوان يمكن أن تروق للحيوانات الإناث بشكل جيد, إلا أنه رأى أن القوة الدافعة لتطور حق الاختيار لا تستطيع أن تفعل شيئاً مع صحة أجسام الذكور أو أية خاصية أخرى. وخلص إلى القول:التقزح اللوني بمعظمه يمكن أن يكون عشوائياً, أو جمالاً مجرداً من أي معنى.

التحكم باللون طبيعياً

الجمال المجرد الذي تحدث عنه برام ليس مبالغة أو افتراء على أعاجيب البنى المتقزحة الألوان, كما يتضح من أبحاث هيلين غيراديلا Helen Ghiradella عالمة الأحياء التطورية, الاختصاصية بالتلون القزحي لوقت طويل في جامعة ألباني, جامعة ولاية نيويورك, فقد نشرت صفحات وصفحات حول صور المجهر الالكتروني الماسح التي تكشف عن تنوع هائل في التفاصيل الدقيقة لبنى السطوح الخارجية الحيوانية: سطوح غير مستوية شبيهة بصفوف أشجار الميلاد, حقول من أقراص العسل الشبكية, شعر خشن منتصب يعمل بشكل مشابه لأسلاك الألياف البصرية (بل وأفضل منها!). كما ذكرت أمثلة عن التطورات التي تعد آخر ما توصل إليه العلم الحديث في

المزيد


الغبار كدلالة على وجود الكواكب

كانون الأول 4th, 2008 كتبها د. عمار سليمان علي نشر في , طب وعلم, مجتمع

الغبار كدلالة على وجود الكواكب

هناك قرص من الغبار اللامع يحيط بالمجموعة الشمسية, يبدأ مما وراء مدار زحل. هذا ما أثبته فريق من العلماء من وكالة الفضاء الأوروبية (إيسا) بقيادة ماركوس لاندغراف, وقدموا أول دليل مباشر عليه.

هذا الاكتشاف يزود علماء الفلك, كما سنرى, بطريقة لتحديد أي النجوم في المجرة هي الأكثر احتمالاً لاستضافة كواكب حولها. ويسمح بالتالي بوضع مخطط أو لائحة بالنجوم التي يتعين مراقبتها من قبل البعثات الفضائية الأوروبية المكلفة بالبحث عن كواكب.

إن اكتشاف القرص الغباري اللامع للمجموعة الشمسية يقوي الفكرة القائلة: إن مظاهر كهذه حول النجوم الناضجة هي علامات على وجود أنظمة كواكب. ويبرر ذلك بكون الكواكب تتكثف, على ما هو معتقد, من سحابة من الغاز أو الغبار. تكون المادة بأعلى كثافتها بالقرب من مركز النجم, وهناك تتشكل الكواكب. أما على مسافة بعيدة من النجم فيتناثر الغاز والغبار, ويمكن أن يندمج فقط في أجسام جليدية صغيرة. تشكل هذه الأجسام في النظام الشمسي ما يسمى حزام Edgeworth-Kuiper   الذي يمتد خارجاً إلى ما بعد مدار نبتون. أما ما تبقى من غبار فيضيع في الفضاء السحيق.

إذن الغبار في الأحوال العادية إما أن يندمج في أجسام سماوية أكبر, أو يقذف خارج المجموعة الشمسية, أما كونه مايزال موجوداً حتى الوقت الراهن فيدل على وجود شيء ما ينتجه بشكل مستمر.

يقول لاندغراف: لكي تعزز حلقة غبارية كهذه يجب إنتاج 50 طن متري من الغبار كل ثانية. وهو مع زملائه يعتقدون أن التصادمات بين البقايا الجليدية من حزام Edgeworth-Kuiper هي التي تنتج الحلقة الغبارية للنظام الشمسي. إذا سرى نفس الأمر على الأنظمة الكوكبية الأخرى, فسيكون لتلك النجوم حلقات غبارية محيطة بها.

يقول مالكولم فريدلوند Malcolm Fridlund وهو عالم في وكالة الفضاء الأوروبية, يعمل ضمن مشروع كوروت المكرس للتفتيش عن كواكب خارج المجموعة الشمسية: إذا كان لديك قرص غباري حول نجم ليس فتياً, فسيكون هذا مثيراً للاهتمام بشكل كبير, لأن الغبار أتى من مكان ما. التفسير الوحيد لذلك هو أن النجم يمتلك كواكب وكويكبات ومذنبات وأجساماً أخرى تتصادم وتنتج الغبار.

قام لاندغراف وزمل

المزيد


مياه في صخور القمر

تشرين الثاني 10th, 2008 كتبها د. عمار سليمان علي نشر في , طب وعلم, مجتمع

مياه في صخور القمر

ربما كان باطن القمر في مرحلة سابقة رطباً وغنياً بالماء, بشكل مشابه تماماً للقشرة الأرضية التي تشكل المياه القسم الأكبر منها (الثلثين).

هذا ما يمكن استنتاجه من دراسة حديثة تضمنت تحليلاً متطوراً وفائق الحساسية لصخور القمر التي أحضرت إلى الأرض بواسطة المركبة أبولو إبان زيارتها للقمر أواخر الستينيات, وقد ظهر بنتيجة التحليل الجديد أن القمر ليس جافاً كالعظام كما كان الباحثون يظنون, الأمر الذي سيثير شهية العلماء وحماستهم للبحث عن فهم أعمق لكيفية نشوء وتطور الكوكب التابع للأرض.

من المعتقد بين علماء الفلك أن القمر نشأ منذ حوالي 4,5 مليار سنة عندما ارتطم جسم بحجم المريخ بالأرض, وباندماج الأنقاض والبقايا الناتجة عن الارتطام تكوّن القمر. من هنا تقترح نتائج الدراسة المذكورة كذلك أن الأرض, ربما, اكتسبت إمداداً أساسياً من الماء بشكل أبكر تاريخياً مما توقعه بعض العلماء.

في الحقيقة خضعت الصخور التي أحضرتها مركبة أبولو من القمر إلى الأرض, على مدى ثلاثة عقود من السنين, للعديد من القياسات والتحاليل والاختبارات, التي أجريت خصوصاً على الخرزات الزجاجية الدقيقة ذات الشكل البركاني, ولكنها فشلت جميعاً في إظهار أي أثر للماء أو مؤشر على وجوده. إلى أن نجح في ذلك أخيراً ألبرتو سال من جامعة براون في بروفيدينس, بعد محاولات استغرقت حوالي ثلاث سنوات لإقناع وكالة الفضاء الأمريكية NASA بإعادة فحص تلك الصخور باستخدام أدوات أكثر تطوراً وأكثر حساسية تعتمد على حزمة ضيقة من شوارد (أيونات ions) السيزيوم. وقد نجحت تلك الأدوات المتطورة في إظهار أن تركيز الماء في الصخور هو أقل من خمسين جزءاً في المليون, أي إنه تحت الحد الذي يمكن اكتشافه بواسطة المسابر الشاردية (الأيونية) الأقل حساسية التي استخدمت سابقاً, كما يلاحظ الباحث المشارك إريك هاوري من معهد كارنيجي في واشنطن. وهو يلاحظ كذلك أن الاكتشاف الهام والحاسم هو كون تركيز الماء في الخرزات يتناقص من المركز باتجاه الحواف. وهذا يعني ـ برأيه ـ أن أكثر من 95٪ من الماء الذي امتلكه القمر يوماً ما قد فقد عندما نفثت الانفجارات البركانية بخار ا

المزيد


مهنة مستحدثة: طبيب كتـّيب

تشرين الأول 31st, 2008 كتبها د. عمار سليمان علي نشر في , سوريا, طب وعلم, مجتمع, مقالات رأي, مقالات ساخرة

مهنة مستحدثة: طبيب كتـّيب

تنتشر البطالة في بلادنا ـ بعلم الجميع ـ كما تنتشر في مختلف بلدان العالم, وإن بنسب وأرقام متفاوتة تختلف حسب المرجع المعتمد (دردري, رداوي, صحافة حكومية, صحافة خاصة, مواقع موالية, مواقع معارضة, إعلام حريري…الخ). على أن الأزمة المالية العالمية الحالية التي تضرب العالم الرأسمالي ولواحقه بالدرجة الأولى تبشر بالمزيد المزيد من البطالة وبالكثير الكثير من العاطلين عن العمل.

وللبطالة ـ حسب المتابعين ـ نوعان اثنان: بطالة عادية ظاهرة للعيان وبطالة مقنعة مستترة غير مرئية. والنوعان منتشران في بلدنا, ولعلهما أكثر ما ينتشران في صفوف خريجي الجامعات وحملة الشهادات العليا الذين بات إيجاد فرص عمل لهم يحتاج إلى معجزات أو ما يشبه المعجزات, وحتى إذا وجدت فرص العمل يبقى معظمهم بدون عمل فعلي, أي دوام شكلي وراتب في أول الشهر لا يختلف عن نظام المعونات الاجتماعية للعاطلين عن العمل في بعض الدول الغربية. على أن أكثر الخريجين الجامعيين حظاً وأقلهم أو أندرهم بطالة هم حملة الشهادات الطبية, الذين مهما جار عليهم الزمان ودارت بهم الأحوال لن يعدموا وسيلة للعمل سواء في عيادة خاصة مملوكة أو مستأجرة أو مستثمرة أو نائية, أو في مستشفى حكومي أو خيري أو خاص أو استثما

المزيد


هل تغزو اللدائن أجسامنا

تشرين الأول 11th, 2008 كتبها د. عمار سليمان علي نشر في , طب وعلم, مجتمع

هل تغزو اللدائن أجسامنا؟!

في واحد من كلاسيكيات السينما الأمريكية المعروفة, وهو فيلم المتخرج The Graduate العائد للعام 1967 يدور في أحد المشاهد ـ ضمن حفل تخرج جامعي ـ حوار جانبي بين رجل الأعمال السيد ماكواير والمتخرج بنجامين برادوك (أدى دوره داستين هوفمان):

السيد ماكواير: أريد أن أقول لك كلمة واحدة فقط… فقط كلمة واحدة.

بنجامين برادوك: نعم سيدي.

السيد ماكواير: هل تصغي إلي؟.

برادوك: نعم سيدي أصغي إليك.

السيد ماكواير: اللدائن Plastics.

وعلى الرغم من أن بنجامين برادوك في ذلك الفيلم لم يكترث بتلك النصيحة المهنية واستسلم ليأسه, إلا أن الكثير من الشباب المتخرج في الحياة الواقعية قد أخذوا بتلك الوصية, وأصبح كوكبنا الأرضي اليوم مغموراً بمنتجات صناعة اللدائن, وصارت بقايا اللدائن ومخلفاتها كلية الوجود في بيئتنا وأجسامنا, حيث أشارت مؤخراً دراسة حكومية فيدرالية أمريكية إلى أن مادة بيسفينول أ (ب ف أ (BPA, وهي قالب البناء لواحد من أكثر اللدائن استعمالاً, تزركش أجسام الغالبية العظمى من سكان الولايات المتحدة الشبان منهم والكهول.

تقوم المصانع بربط جزيئات ب ف أ BPA في سلاسل طويلة تسمى البوليميرات polymers وذلك من أجل صنع اللدائن عديدة ذرات الكربون polycarbonate التي تدخل في صناعة العديد من المنتجات, مثل: اللدائن الشفافة الهشة المستعملة في زجاجات الأطفال, أوعية الطعام, أدوات المطبخ الصغيرة (مثل كرات معالجة الطعام food-processor bowls) وغيرها الكثير, وجميعها تصنع من عديدات ذرات الكربون. كما أن الصموغ التي تدخل في أساس تكوينها مادة ب ف أ BPA تغطي السطوح الداخلية لمعظم أنواع العلب المعدنية المستخدمة لتعبئة الأطعمة والبيرة والمشروبات غير الكحولية وغيرها. وبما أن عديدات ذرات الكربون تتحلل بالاستخدام والتسخين فإن ب ف أ BPA سوف ترشح وتتسرب إلى داخل المواد (الأطعمة, المشروبات…) التي هي على تماس معها. وإذا كان ما يحدث في أجسام البشر نتيجة ذلك التلوث مشابهاً لما يحدث في أجسام الحيوانات المخبرية فهذا بالفعل أمر سيء, لأن الدراسات على القوارض أظهرت أن ب ف أ BPA يمكن أن تسبب مجموعة من التبدلات الضارة كاضطرابات الإنجاب وإفساد التحكم بسكر الدم والبدانة.

بالعودة إلى الدراسة الحديثة التي أجراها برنامج المسح الوطني لفحص الصحة والغذاء the National Health and Nutrition Examination Survey (NHANES) عامي 2003 و2004 وشارك فيها 2500 متطوع تبرعوا بعينات من أبوالهم لتحليلها من قبل الباحثين, فقد كانت النتيجة وجود كميات قابلة للقياس من ب ف أ BPA لدى 92٪ منهم. ووفقاً لعدد كانون الثاني 2008 من مجلة أبعاد الصحة البيئية Environmental Health Perspectives فإن هذه هي الدراسة الأولى التي تقيس التلوث في عينة تمثل فئات متنوعة من سكان الولايات المتحدة.

تقول الكيميائية م. كالفيت من مراكز الوقاية والسيطرة على المرضCenters for Disease Control and Prevention (CDC) :لاحظت وزملائي أن الكميات المكتشفة من ب ف أ BPA تكون بشكل نموذجي صغيرة, وتراكيزها في البول أجزاء صغيرة لكل بليون. ولكن فيما يتعلق بالعوامل الشبيهة بالهرمونات مثل ب ف أ BPA يمكن أن يقود التعرض حتى لكميات بالغة الصغر إلى تأثيرات ملحوظة.

يعقب على ذلك فريدريك س. فوم سال, وهو عالم بيولوجي من جامعة ميسوري ـ كولومبيا قام باستقصاءات حول سمية  ب ف أ BPA على مدى أكثر من 15 عاماً:على العموم التراكيز التي اكتشفت من قبل كالفيت وفريقها كانت بالأساس أعلى من تلك التي تطلق المرض وتشوهات الولادة, كما أنها أعلى مما لدى الحيوانات المعرضة للتلوث.

لكن الجهات المصنعة للـ ب ف أ BPA تصور الأمور بشكل مختلف, وينبري ستيفن ج. هنتجز من المجموعة الدولية لعديدات الكربون / ب ف أ BPA التابعة للهيئة الكيميائية الأمريكية, قائلاً:بالرغم من أن أعضاء فريق كالفيت أثبتوا وجود تراكيز بولية لـ ب ف أ BPA إلا أنهم في الواقع قاموا بفحص المنتج المتحلل, أي المزيج الذي من خلاله تطرح مادة ب ف أ BPA خارج الجسم. وهذا في حد ذاته لا يعني أن ب ف أ BPA موجودة في الجسم أو في البول. ومن جهة أخرى تتعرض نسبة قليلة من الناس للمنتج المتحلل بشكل مباشر. ويقدر هنتجز ومجموعته أن المدخول اليومي من ب ف أ BPA يجب أن يكون بحدود 50 نانو غرام لكل كيلو غرام من وزن الجسم, لكي يسمح بقياس وتسجيل تراكيز بولية من قبل علماء مراكز الوقاية والسيطرة على المرض CDC, وهذه الكمية تعادل جزءاً من مليون من الكمية التي درست لدى عدة أجيال من الحيوانات دون أن تحدث تأثيرات غير ملائمة. من هنا يخلص هنتجز إلى الاستنتاج بأن هذا يعطي هامش أمان واسعاً.

يعترض فوم سال على هذا الكلام وينفيه نفياً مطلقاً, ويقول موضحاً: إذا أخذ المرء نسبة المدخول إلى المطروح من ب ف أ BPA لدى المضيفين في الدراسات الحيوانية المنشورة, فإن التراكيز المسجلة من قبل مراكز الوقاية والسيطرة على المرض CDC تقترح أن المدخول اليومي الوسطي لمعظم الأمريكيين هو بحدود 100 مكرو غرام لكل كيلو غرام من وزن الجسم, وهو أعلى بألف ضعف تقريباً من رقم الجهات المصنعة.

من الواضح أن هناك اختلافات كبيرة في الآراء والتفسيرات والأرقام, ويمكن أن يقال الكثير ويطول الجدل حول مدى صحة هذا الرأي أو ذاك.

درس ياباني:

تنتج الصناعات الكيميائية سنوياً, على مستوى العالم, ما يقدر بـ 2,8 مليون طن من ب ف أ BPA التي تدخل في طيف واسع من المنتجات يستخدم معظمها داخل وحول المنازل, وقد ذكرنا أمثلة عليها, كما تفيد المادة نفسها كأساس لمانعات التسرب السنية, وهي مواد صمغية توضع على أسنان الأطفال لحماية بياضها اللؤلؤي من النخور. من أجل ذلك تبدي الجهات المصنعة اهتماماً اقتصادياً قوياً لئلا يصاب سوق المنتجات المعتمدة على ب ف أ BPA بالتناقص والتآكل بفعل القلق الشعبي من المواد الكيميائية. وقد حدث هذا بالفعل في اليابان, حيث قام فريق بحثي ياباني بإظهار أن ب ف أ BPA ترشح وتتسرب من زجاجات الأطفال وأوعية الطعام البلاستيكية, ولم تمض سنتان على ذلك البحث حتى قام المصنعون لهذه المنتجات الاستهلاكية بشكل طوعي باكتشاف بدائل للـ ب ف أ BPA للاستخدام في علب الطعام المعدنية. وبعد ذلك بسنتين قامت مجموعة بحثية أخرى من العلماء اليابانيين بقياس تراكيز بقايا ب ف أ BPA في أبوال طلاب جامعيين, نصفهم من فترة ما قبل التحول والنصف الآخر من الفترة التالية لنزع ب ف أ BPA من أوعية الطعام. وقد تبين لهم بالمقارنة أن بقايا ب ف أ BPA

المزيد


اسـتطباب جديد لعقـار قديم:

نيسان 13th, 2008 كتبها د. عمار سليمان علي نشر في , ثقافة وإعلام, طب وعلم, مجتمع

اسـتطباب جديد لعقـار قديم:

"الكلوروكين" هل يمنع السرطان؟!

حدث ذلك في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي, وتحديداً في تنزانيا, عندما قام باحثون من دول مختلفة يعملون ضمن إطار خطط خمسية لمكافحة الملاريا بتوزيع ملايين الجرعات من عقار الكلوروكين المضاد للملاريا على الأطفال التنزانيين. وعلى الرغم من أن تلك الخطط والدراسات لم تثمر نتائج مهمة على صعيد الوقاية من الملاريا, إلا أن هناك ملاحظة مهمة أثارت انتباه الباحثين وهي انخفاض نسبة حدوث لمفوما بوركيت (وهي نوع من سرطانات الدم) بين أولئك الأطفال.

ومؤخراً أظهرت دراسات حديثة على الفئران أن الكلوروكين يمكنه بالفعل أن يمنع حدوث لمفوما بوركيت, وكذلك يمنع مرضاً آخر نادراً يسمى رنح توسع الشعريات ataxia telangiectasia  يتهم بأنه يمكن أن يؤدي إلى حدوث سرطان دم من نوع الابيضاض.

لمفوما بوركيت:

لمفوما بوركيت هو سرطان لمفاوي نادر ينتشر بشكل خاص في وسط افريقيا, وقد سمي كذلك نسبة إلى الطبيب الجراح الانكليزي دينيس بوركيت(1911 ـ 1993) Denis Burkitt الذي وضع خارطة جغرافية لتوزع المرض في افريقيا. وقد اتهم بإحداث المرض فيروس ابشتين بار Epstein-Barr كما لوحظ ازدياد حدوثه لدى المصابين بالملاريا. ورغم أن هذا السرطان يحدث على حساب خلايا الدم البيضاء اللمفاوية من النمط ب Lymphocytes B إلا أنه ينتقل بشكل نموذجي إلى مناطق خارج الجهاز اللمفاوي مثل نقي العظم والدم والجملة العصبية المركزية.

يبدأ المرض عندما تقوم نسخة مفعّلة من مورثة تسمى myc  بتحويل خلايا الدم اللمفاوية البيضاء السليمة إلى خبيثة. وبشكل نموذجي يبدأ المسار الانحداري بأذية غير قابلة للإصلاح في الـ د ن أ DNA مما يقود إلى تحرك الأجزاء من الـ د ن أ DNA التي تضم المورثة myc وانتقالها إلى مواقع غير مألوفة على الصبغيات, وفي هذه المواقع الجديدة يمكن أن تتفعّل المورثة myc. يؤدي هذا التفعيل إلى إنتاج كميات غزيرة من البروتين الذي ترمز إليه المورثة المذكورة, و تحرض تلك الكميات الغزيرة من البروتين اللمفاويات البائية على التكاثر الخارج عن حدود السيطرة. وذلك وفقاً لما يذكره تقرير نشر في عدد كانون الثاني 2008 من مجلة البحوث السريرية Journal of Clinical Investigation , وأعده بالاشتراك مع زملاء له مايكل ب. كاستين, وهو عالم بأورام الأطفال في مشفى القديس جود لأبحاث الأطفال في مدينة ممفيس, ولاية تينيسي الأمريكية.

ويشرح كاستين وزملاؤه في تقريرهم كيف أن الخلايا المتكاثرة بشكل غير طبيعي والمحرضة ببروتينات myc تحافظ على إمدادها الغذائي عبر عمليات سرقة الخلايا الطبيعية أو ما يسمى البلعمة الذاتية autophagy (التي تقوم فيها خلايا بتقطيع وطرح مكونات خلايا متأذية أو عاطلة, مثل البروتين

المزيد


الخرافات الأمريكية وعشبة الأمل السورية

آذار 19th, 2008 كتبها د. عمار سليمان علي نشر في , ثقافة وإعلام, طب وعلم, مجتمع

الخرافات الأمريكية وعشبة الأمل السورية

تنتشر الخرافات بين الناس انتشار النار في الهشيم, ولعل الخرافات المتعلقة بالصحة العامة والمعتقدات الطبية والعلمية الزائفة هي الأسرع انتشاراً وتداولاً والأكثر تأثيراً وتفاعلاً, وليس الأمر مقتصراً على دول العالم الثالث كما قد يخيل للبعض, بل هو كذلك وبنفس الدرجة إن لم يكن أكثر في الدول المتقدمة. ففي الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال منظمة خاصة تسمى المجلس الأمريكي للصحة والعلم the American Council on Science and Health وهي تأخذ على عاتقها مهمة فضح المزاعم والادعاءات الطبية غير العلمية, وكشف المخاوف والفزاعات الصحية التي لا أساس لها, رغم أنها شاعت بين الناس على نطاق واسع ولوقت طويل, بدءاً من الذعر الذي انتشر في خمسينيات القرن العشرين بسبب المواد الكيماوية في التوت البري, إلى هستيريا الثمانينيات حول أذرع التفاح, إلى ما سوى ذلك… ومؤخراً نشرت تلك المنظمة في موقعها الخاص على شبكة الانترنت  www.acsh.org  قائمة بما اعتبره أعضاؤها أسخف عشر خرافات صحية للعام 2007 في الولايات المتحدة, وسنقوم فيما يلي بترجمتها حرفياً مع التعليقات والتوضيحات التي وضعت أسفل كل منها:

الخرافة الأولى: أقلام حمرة الشفاه تحتوي على رصاص مميت.

ليس صحيحاً, فالكميات الصغيرة جداً ليست مؤذية.

الخرافة الثانية: الماء المفلور يعرض الصحة للخطر.

خطأ, فهو يحسن صحة الأسنان.

الخرافة الثالثة: اللحم الأحمر واللحم المطبوخ يزيد خطر السرطان.

كلام تافه, فتلك الدراسات أجريت على أناس يتناولون كميات هائلة ويعيشون حياة ساكنة جداً وقليلة الحركة. واللحم ممتاز وضروري في التغذية المتوازنة.

الخرافة الرابعة: المواد الكيماوية المستخدمة في صناعة التيفلون (وهو نوع من البلاستيك غير اللاصق يستعمل في أدوات الطبخ وغيرها) تسبب ولادة أجنة ناقصي الوزن.

 قطعاً لا, فالاختلافات في أوزان الولادة في تلك الدراسات صغيرة جداً لكي تسمح بإطلاق ذلك الاستنتاج.

الخرافة الخامسة: أملاح حمض الآزوت (النترات) في اللحوم المعالجة تس

المزيد


التالي